أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
618
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنها حال من العروة ، والعامل فيها « استمسك » . والثالث : أنها حال من الضمير المستتر في « الوثقى » . و « لها » في موضع الخبر فتتعلّق بمحذوف أي : كائن لها . والانفصام - بالفاء - القطع من غير بينونة ، والقصم بالقاف قطع ببينونة ، وقد يستعمل ما بالفاء مكان ما بالقاف . قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ : الذين مبتدأ أول ، وأولياؤهم مبتدأ ثان ، والطاغوت : خبره ، والجملة خبر الأول . وقرأ الحسن « الطواغيت » بالجمع ، وإن كان أصله مصدرا لأنه لمّا أطلق على المعبود من دون اللّه اختلفت أنواعه ، ويؤيّد ذلك عود الضمير مجموعا من قوله : « يخرجونهم » . قوله : يُخْرِجُونَهُمْ هذه الجملة وما قبلها من قوله : « يُخْرِجُهُمْ » الأحسن فيها ألّا يكون لها محلّ من الإعراب ، لأنهما خرجا مخرج التفسير للولاية ، ويجوز أن يكون « يخرجهم » خبرا ثانيا لقوله : « اللّه » وأن يكون حالا من الضمير في « وليّ » ، وكذلك « يخرجونهم » والعامل في الحال ما في معنى الطاغوت ، وهذا نظير ما قاله الفارسي في قوله : نَزَّاعَةً « 1 » إنها حال العامل فيها « لظى » وسيأتي تحقيقه . و « من » و « إلى » متعلقان بفعلي الإخراج . قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي : تقدّم نظيره في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا « 2 » . وقرأ عليّ رضي اللّه عنه : « تر » بسكون الراء ، وتقدّم أيضا توجيهها . والهاء في « ربه » فيها قولان : أظهرهما : أنها تعود على « إبراهيم » . والثاني : تعود على « الذي » ، ومعنى حاجّه : أظهر المغالبة في حجّته . قوله : أَنْ آتاهُ اللَّهُ فيه وجهان : أظهرهما : أنه مفعول من أجله على حذف حرف العلة ، أي : لأن آتاه ، فحينئذ في محلّ « أن » الوجهان المشهوران ، أعني النصب أو الجرّ ، ولا بدّ من تقدير حرف الجر قبل « أن » لأنّ المفعول من أجله هنا نقّص شرطا وهو عدم اتحاد الفاعل ، وإنما حذفت اللام ، لأنّ حرف الجرّ يطّرد حذفه معها ومع أنّ ، كما تقدّم غير مرة . وفي كونه مفعولا من أجله معنيان : أحدهما : أنه من باب العكس في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجّة موضع الشكر ، إذ كان من حقّه أن يشكر في مقابلة إتيان الملك ، ولكنه عمل على عكس القضية ، ومنه : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ « 3 » ، وتقول : « عاداني فلان لأني أحسنت إليه » وهو باب بليغ . والثاني : أنّ إيتاء الملك حمله على ذلك ، لأنه أورثه الكبر والبطر ، فتسبّب عنهما المحاجّة . الوجه الثاني : أنّ « أن » وما في حيّزها واقعة موقع ظرف الزمان ، قال الزمخشري : « ويجوز أن يكون التقدير : حاجّ وقت أن آتاه » . وهذا الذي أجازه الزمخشري محلّ نظر ، لأنه إن عنى أنّ ذلك على حذف مضاف ففيه بعد من
--> ( 1 ) سورة المعارج ، آية ( 16 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 243 ) . ( 3 ) سورة الواقعة ، آية ( 82 ) .